مجمع البحوث الاسلامية

141

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يظهر عليه - عليه الصّلاة والسّلام - من شبه الغشي حين ينزل عليه الوحي بالقرآن ، والأوّل - على ما قيل - هو الأنسب بالمقام . وذهب بعضهم إلى أنّ المقول الجملة المؤكّدة دون النّداء ، أمّا هو فمن كلام اللّه تعالى تبرئة له عليه الصّلاة والسّلام عمّا نسبوه إليه من أوّل الأمر . وتعقّب بأنّه لا يناسب قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ إلخ ، الحجر : 9 ، فإنّه كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ردّ لإنكارهم واستهزائهم . وقد يجاب بأنّ ذلك على هذا ردّ لما عنوه في ضمن قولهم المذكور ، لكن الظّاهر كون الكلّ كلامهم ، وقد سبقهم إلى نظيره فرعون عليه اللّعنة بقوله في حقّ موسى عليه السّلام : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ الشّعراء : 27 ، تقديم الجارّ والمجرور على نائب الفاعل - كما قيل - لأنّ إنكارهم متوجّه إلى كون النّازل ذكرا من اللّه تعالى ، لا إلى كون المنزل عليه رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ، بعد تسليم كون النّازل منه تعالى ، كما في قوله سبحانه : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ الزّخرف : 31 ، فإنّ الإنكار هناك متوجّه إلى كون المنزل عليه رسول اللّه عليه الصّلاة والسّلام . ( 14 : 12 ) مغنيّة : ضمير ( قالوا ) يعود إلى مشركي قريش ، وقد خاطبوا محمّدا بالّذي نزّل عليه الذّكر تهكّما واستخفافا ، لأنّه في منطقهم ومقاييسهم مجنون يهذي بغير المعقول ، وإن كان رحمة للعالمين ، وتقدّمت به الإنسانيّة مئات السّنين . والقرآن أيضا من وحي الجنون ، وإن كان معجزة المعاجز بعلومه وتعاليمه . وهذا المنطق لا يختصّ بعبدة الأصنام ، ولا بالزّنادقة والملاحدة ، فإنّه يشمل كلّ من اتّخذ من ذاته ومنفعته مقياسا للحقّ وميزانا للعدل ، حتّى ولو قال : لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه . . أبدا لا فرق بين هذا المسلم النّفعيّ الّذي اعترف لمحمّد بالنّبوّة ، وبين المشرك الّذي أنكر نبوّة محمّد . لا فرق إلّا أنّ هذا المسلم آمن بمحمّد نظريّا ، وكفر به عمليّا . والمشرك أنكره قولا وعملا ، فالنّتيجة من حيث العمل واحدة . ( 4 : 468 ) 2 - قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ . الشّعراء : 27 الطّبريّ : يقول : إنّ رسولكم هذا الّذي يزعم أنّه أرسل إليكم ، لمغلوب على عقله ، لأنّه يقول قولا لا نعرفه ولا نفهمه . وإنّما قال ذلك ، ونسب موسى - عدوّ اللّه - إلى الجنّة ، لأنّه كان عنده وعند قومه أنّه لا ربّ غيره يعبد ، وأنّ الّذي يدعوه إليه موسى باطل ، ليست له حقيقة . فقال موسى عند ذلك محتجّا عليهم ، ومعرّفهم ربّهم بصفته وأدلّته . إذ كان عند قوم فرعون أنّ الّذي يعرفونه ربّا لهم في ذلك الوقت ، هو فرعون ، وأنّ الّذي يعرفونه لآبائهم أربابا ملوك أخر ، كانوا قبل فرعون قد مضوا ، فلم يكن عندهم أنّ موسى أخبرهم بشيء له معنى يفهمونه ولا يعقلونه ، ولذلك قال لهم فرعون : إنّه مجنون ، لأنّ كلامه كان عندهم كلاما لا يعقلون معناه : الّذي أدعوكم وفرعون إلى عبادته ربّ المشرق والمغرب وما بينهما ،